اختر لون المنبر الافتراضي أزرق برتقالي أسود وأبيض أخضر وردي

غير مسجل هل أعجبك المنبر ؟

المنهج السوداني المحوسب
المنبر العام
قوانين المنبر
آخر الأخبار
البحث
أعلن معنا
اتصل بنا
كيبورد عربي
الحضور
صفحة الموقع الرئيسية
الحائط الاجتماعي
لوحة التحكم للعضو
رفع الصور والملفات
أكواد
فضائيات
الماسنجر
ملفك
English Forum

العودة   سودانيز أونلاين > سودانيز أون لاين > المنبر العام

تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية) - المنبر العام
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
12-08-2014, 10:18 AM 1 افتراضي تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني
تلقيت إعجاب (422)اضغط على الرقم لمُشاهدة الإعجابات المتلقاة
أرسلت إعجاب (92)اضغط على الرقم لمُشاهدة الإعجابات المُرسلة

مواضيع ديمتري السوداني

للتحدث مع الإدارة sudaneseonline.sd



الحلقة 1
الاقتباسات:
• اخترت لكم (عشر مخازي سودانية).. من تاريخنا تكشف عورة تفكيرنا التي أودت بنا إلى هذا القاع السحيق..
• محاكمة للتاريخ لا تستهدف القبض على الجاني فحسب.. بل ولمحاسبة أجيال ومفاهيم لا تزال تقبض على خناق البلاد ومصائرها..



المقدمة الثابتة:
وطن مترف بثرواته ما ظهر منها وما بطن.. وبعد حوالي (60) عاماً من الاستقلال لا يزال يقبع في ذيل الأمم.. من فعل هذا به؟ من الجاني الذي حرم الشعب من ثرواته وخيراته وأبدلها الذل والحرمان؟ محاكمة تاريخنا المعاصر هي المدخل لإصلاح الحال وبناء مستقبل معافى من مخازي الماضي.
عثمان ميرغني
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-08-2014, 10:19 AM 2 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني

مقدمة الحلقة (1)
احتل المستعمر بلادنا في العام 1898.. وخرج منها بكامل طوعه واختياره في 1956.. أي فترة (58) عاماً من الاستـ(ع)ـمار الأجنبي أعقبتها حتى اليوم فترة (59) عاماً من الاستـ(د)ـمار الوطني. تساوت فترة الاستعمار الأجنبي مع فترة الاستدمار الوطني و بقدر ما عمَّر المستعمر الأجنبي بلادنا دمَّر المستدمر الوطني كل ما ورثه من مؤسسات..
لماذا عشر مخازي.. وليس مائة؟؟
سلسلة حلقات هذا التحقيق اجتهدت كثيراً في حشدها بالمعلومات والأدلة والبراهين التي تقبض على الجاني متلبساً بفعلته. حتى نحاكم تاريخنا بما ينبغي من المحاسبة منعاً لتكرار الخطايا ( فهي ليست مجرد أخطاء).
اخترت لكم (عشر مخازي سودانية).. من تاريخنا تكشف عورة تفكيرنا التي أودت بنا إلى هذا القاع السحيق.. صحيح قد يسأل سائل ولماذا عشر؟ وليس مائة أو ألفاً، والإجابة سهلة .. هي نموذج يوضح كيف ضاع السودان.. لأنها مخازي (نموذجية) كل واحد منها يصلح موضوعاً لتحقيق كامل. مخازي لا يمكن وصفها بأنها مجرد قرارات أو سياسات أو أحداث. بل هي صورة مقطعية للرأس السوداني تكشف كيف نفكر وندير الشأن العام في بلادنا. ولو استمر الحال هكذا فسيستمر البؤس والشقاء مهما تبدلت العهود السياسية.
هذه (المخازي العشر) يربطها خيط واحد.. هو (منهج التفكير).. تتقلب الحكومات وتتصارع العهود السياسية والمحتوى واحد لأنهم جميعًا يفكرون بعقلية واحدة رغم أنف الشعارات السياسية المتباينة حد التخاصم.
في التاسعة صباح يوم واحد واحد..!!
في صبيحة يوم الأحد الفاتح من شهر يناير عام 1956 أشرقت شمس السودان المستقل. في تمام الساعة التاسعة صباحاً اختفى آخر رمز للسيادة الأجنبية بنزول علم دولتي الاستعمار وصعود علم السودان مكانهما. وكان الشهود جماهير غفيرة من المجتمع السوداني خالطت دموع الفرح في مآقيها دموع الخوف من المستقبل المجهول. رفع العلم الزعيم إسماعيل الأزهري بمشاركة زعيم المعارضة محمد أحمد المحجوب.. بينما السيدان الكبيران .. مولانا السيد علي الميرغني زعيم الطريقة الختمية والسيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار يشرفان مشهد تدشين السيادة الوطنية على التراب السوداني.
منذ صرخة الميلاد تلك أسفر في السودان وجه آخر.. أكثر قساوة من وجه المستعمر الأجنبي.. وجه وطني فاقد للبصيرة الاستراتيجية.. فرط في أمانة قيادة وإدارة أكبر بلد إفريقي وعربي متخم بالثروات الباطنة والظاهرة.
وجه هو بالضبط نقيض كل ما قاله السيد إسماعيل الأزهري في كلمته بمناسبة الاستقلال:
قال الأزهري في ذلك اليوم :
(إذا انتهى بهذا اليوم واجبنا في كفاحنا التحريري فقد بدأ واجبنا في حماية الاستقلال وصيانة الحرية وبناء نهضتنا الشاملة التي تستهدف خير الأمة ورفعة شأنها ولا سبيل إلى ذلك إلا بنسيان الماضي وطرح المخاوف وعدم الثقة وأن نُقبل على هذا الواجب الجسيم أخوة متعاونين وبنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً ، وأن نواجه المستقبل كأبناء أمة واحدة متماسكة قوية .)
كل مفردات خطاب الأزهري هي وقائع إدانة لأجيال كاملة انحدرت منذ يوم الاستقلال حتى يومنا هذا.
إدمان الفشل..!!
من 1956 وحتى يوم كتابة هذا التحقيق الصحفي في نوفمبر 2014.. :
تبادلت حكم السودان (9) عهود سياسية.. هي الحكم الحزبي الأول –ثم حكم الرئيس عبود – ثم الحكم الحزبي الثاني بعد ثورة أكتوبر 1964 – ثم حكم الرئيس جعفر محمد النميري الأول – ثم حكم انقلاب هاشم العطا لثلاثة أيام – ثم عودة حكم الرئيس النميري – ثم حكم المشير سوار الذهب الانتقالي – ثم الحكم الحزبي الثالث- ثم حكم الإنقاذ .. حتى يومنا هذا.
كل هذه الحكومات تبادلتها غالبية ألوان الطيف السوداني الحزبي. كل الأحزاب جربت حظها في حكم السودان، اختلفت في فكرها وأشخاصها واتفقت في سوء إدارتها للبلاد.
مقارنة.. حال بحال..!!
ولقياس مدى التدمير المنهجي المتعمد الذي تعرض له الشعب السوداني دعني ألتقط مثالاً واحداً لدولة كانت أدنى من السودان كثيراً في مستواها المدني والحضري والدولي.. ثم طفرت فوق السودان وصارت كوكباً ينظر إليها السودان من أسفل. دولة كوريا الجنوبية.. في العاصمة سيول أقيم متحف ميداني كبير يعكس الحياة في كوريا خلال حقب الخمسينات والستينات.. من يزوره تكاد أعينه تدمع من شظف الحال وقساوة المشهد.. شعب فقير مدقع ليس له موارد ولا أمل له في مستقبل مع شح حاله. وفي ذات الوقت الذي كان فيه السودان يتمتع بموارد أفضل وأكبر ووضع أحسن كثيراً.. كان شعب السودان لشعب كوريا آنذاك.. كشعب كوريا لشعب السودان اليوم.. لكن كوريا الجنوبية تحركت إلى الأمام مع عجلة الزمن والتاريخ.. والسودان تحرك إلى الخلف ضد عجلة الزمن والتاريخ.. إلى أن بلغنا دركنا الأسفل اليوم في ذات الوقت الذي باتت فيه كوريا الجنوبية دولة صناعية تصنع من الدبوس إلى الصاروخ.

كشف ابتدائي للخسائر:
خلال الفترة من خروج آخر جندي بريطاني من السودان حتى اليوم (2014):
• فقد السودان ثلث أرضه وخمس شعبه بانفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011.
• أكثر من مليوني قتيل في الحرب الأهلية في الجنوب ثم دارفور ثم النيل الأزرق وجنوب كردفان.
• أكثر من خمسة ملايين مشرد ونازح بسبب نفس الحروب.
• تضعضعت الروابط الاجتماعية والتماسك الوطني تحت وطأة حمى القبلية والجهوية التي ترعاها مؤسسات الدولة السودانية لصالح (التمكين السياسي).
• ومع كل هذه الكوارث والأزمات تحول الشعب السوداني إلى أكبر متلقٍ للإغاثات والمساعدات الإنسانية.
• ورغم خروج آخر جندي مستعمر في 1956 إلا أن أكثر من عشرين ألف جندي أجنبي استوردتهم بعد ذلك محن البلاد المستمرة، نصفهم في قوات حفظ السلام (يونامس) مع جنوب السودان قبل الانفصال والنصف الآخر في قوات (يوناميد) الدولية في دارفور إضافة للقوات الأثيوبية في منطقة (أبيي).
• لكن السوء والانهيار والتقهقر لم يتوقف عند حد السياسة والحروب والاقتصاد، بل تعداه حتى إلى قطاعات أخرى مثل الرياضة. منتخب السودان القومي انتزع كأس الأمم الإفريقية في العام 1970 ونجح السودان في تنظيم الدورة في مدينتي الخرطوم و ودمدني. ولكن بالكاد نجح بعد ذلك المنتخب السوداني في التسلل إلى التصفيات النهائية لذات البطولة. وجاء اليوم الذي أصبح فيه مجرد الحصول على كأس (سيكافا) انجاز واعجاز وطني يستحق الأوسمة.
• وانطوت أزهر أجيال الفن السوداني مع انطواء السنوات والحقب السياسية حتى وصلنا إلى أدنى مستويات الفاقة الإبداعية كما هو حالنا اليوم.
• وواجه السودان لأول مرة في تاريخه موجات هجرية جماعية كاسحة. في كل الأعمار لكل التخصصات في كل المجالات لكل الدول بما فيها إسرائيل التي يحبذ بعض الشباب التسلل إليها عبر سياج الأسلاك الشائكة المكهربة ووسط زخات الرصاص هرباً إلى الأَمَرِ من الأَمَرِ منه.
• محرقة الفقر المدقع بدأت تشوي وتصهر أخلاق المجتمع السوداني، وظهرت التحولات الكبيرة من خلال التفكك الأسري الهائل الذي ترصده يومياً مئات العرائض في محاكم الأسرة حيث كادت نسبة الطلاق تقارع نسبة الزواج. وهذا التحول الأخلاقي والاجتماعي هو أخطر ما يواجهه المجتمع والدولة السودانية من كوارث.. ففي المشهد الإفريقي دول تعرضت لمثل هذا المتغير فتبدلت أخلاق وسلوك شعوبها وباتت أقرب إلى الغابة المكتظة بالوحوش والحيوانات التي تخطت كل مدارج العيب فارتفعت فيها معدلات الجريمة والسلوك الانحرافي الجماعي على نطاق المجتمع.
من ضيع السودان؟
سؤال حتمي لابد من الإجابة عليه.. في سبيل إصلاح الحال. محاكمة للتاريخ لا تستهدف القبض على الجاني فحسب.. بل ولمحاسبة أجيال ومفاهيم لا تزال تقبض على خناق البلاد ومصائرها..
نواصل غداً أول المخازي العشر ..
في الحلقة الثانية بإذن الله..

التيار السودانية
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-08-2014, 10:37 AM 3 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني

مقدمة الحلقة (2)
حرص المستِعمر البريطاني على تثبيت أركان دولة ذات قوام مدني متقدم في السودان، فوضعوا القوانين واللوائح، وأسسوا دولاب خدمة مدنية فعال، يضاهي ما هو موجود في أوروبا، وأرسوا المشروعات الاقتصادية الكبرى مثل مشروع الجزيرة، وخزان سنار، وميناء بورتسودان، ومد السكك الحديدية بين المدن الكبرى، وعندما جاءت لحظة الفراق بإعلان الفترة الانتقالية.. وخروج المستعمر كان السودان في أفضل حالاته التي تسمح له بالانطلاق.. لكن.. وما أصعب (لواكن) السودان.. وقع في أول حفرة.. أول المخازي العشر.. مشروع السودنة..!!
ما هي السودنة؟؟
السودنة Sudanization هي عملية إحلال الموظفين الأجانب بموظفين سودانيين، لكن ذلك هو المعنى العلمي (البريء).. فهي في غالبها – إلا من رحم ربي- لم تكن عملية إحلال وطني لمستعمر أجنبي بقدرما كانت إهلاكاً وطنياً لقيم رسخها المستعمر في الخدمة والعمل الإداري والديواني.
نهب التركة البريطانية!!
تحولت (السودنة) إلى أكبر عملية نهب لثروة إدارية ومؤسسية تحت أنياب من (طمع) شخصي وحزبي في (التركة) التي أورثها الاستعمار الحكومة الوطنية بعد رحيله، كما سيظهر في ثنايا المعلومات والأدلة التي أضعها بين يديك.
بدأت عملية السودنة مع تسلم أول حكومة سودانية وطنية مقاليد الحكم في 9 يناير 1954.. وهي حكومة انتقالية نشأت بموجب اتفاقية (فبراير 1953) مع دولتي الحكم الثنائي لتتيح فترة انتقالية قبل نقل السيادة إلى الحكم الوطني.
واستمرت عمليات السودنة حتى أغسطس عام 1955، وكانت أكبر الكوارث الفورية للسودنة اندلاع التمرد الشهير في مدينة (توريت) في جنوب السودان في 19 أغسطس 1955، الذي أدى إلى مجزرة دموية عنيفة اجتاحت عدة مدن جنوبية، أسفرت عن مقتل عشرات من الشماليين- المدنيين والعسكريين.
مطامع مبكرة..!!
بكل أسف المفاهيم التي قامت عليها السودانة ازدحمت بالمطامع في وراثة ما خلّفه المستعمر من مزايا وظيفية، كانت تبدو للسودانيين عزيزية المنال، أو ضرباً من الأحلام.. وجاهة المكاتب الكبيرة، والبيوت الكبيرة التي كان يسكنها الموظفون البريطانيون.
التحضير للسودنة!!
عز على الاستعمار وهو يستعد للرحيل أن تنهار مؤسساته التي بناها طوال (58) عاماً مضت.. فاقترح على السودانيين أن تتمرحل عملية الإحلال والإبدال تدريجياً في فترة مناسبة تسمح بانسياب الخبرة والمحافظة على الاستقرار الإداري في البلاد.
اقترح البريطانيون فترة ثلاث سنوات لإكمال السودنة.. وهنا (اندلعت ثورة منك خانها الجلد) على رأي شاعرنا العباسي في قصيدته التي غناها الفنان الطيب عبد الله. عدّ السودانيون أن المستعمر يحاول إطالة عمره في البلاد.. خدعة منه للحصول على زمن إضافي بعد نهاية عمر المباراة.
وكانت فكرة البريطانيين أن السودانيين ربما تلقى بعضهم التأهيل والتدريب المناسب للقيام بأعباء الإدارة.. لكن الجانب السياسي المهمين على الإداري لا يزال رخواً، قد يؤثر على الأداء الإداري ويحبطه.
كان الاقتراح البريطاني أن يتولى السودانيون المناصب السيادية السياسية الأعلى فوراً.. على أن يستمر الموظفون البريطانيون في الوظائف الإدارية الفنية التي تتطلب قدراً أكبر من الخبرة والحنكة الإدارية.. يستمر هذا الوضع ثلاث سنوات.
رفض السودانيون الفكرة- بكل قوة، بل ورعونة.. وبعد شدّ وجذب اقترح الجانب السوداني فترة قصيرة لا تتجاوز عاماً واحداً فقط بعدها يجتاح خلالها طوفان السودنة كل المرافق العامة.
خروج جماعي مبكر!!
الروح التي كانت سائدة بعثت رسالة سالبة إلى الجانب البريطاني.. فهي لم تكن مجرد مفاوضات (فوز- فوز) للجانبين بقدرما كانت مواجهة فيها درجة ملموسة من العداء.. كانت النتيجة هي رفض الموظفين البريطانيين الاستمرار في الخدمة والمطالبة بإنهاء خدماتهم، وعودتهم فوراً إلى بلادهم.
ربما كان الجانب السوداني سعيداً بهذه العجلة.. وهو يرى المزايا الوظيفية التي كانت تحيط بالموظفين البريطانيين، ولم يكن في الخاطر إلا الانقضاض على تركة البريطاني- بأعجل ما تيسر.. دون نظر أو بصيرة لما يمكن أن يؤدي ذلك من أضرار في المستقبل بمصالح البلاد كلها.
نهم وجشع السودنة!!
بكل نهم.. شرعت لجان السودنة في إعداد كشوفات الوظائف التي يشغلها الأجانب (بريطانيين ومصريين وغيرهم)، حتى قبل أن تنظر في كشوفات الكوادر السودانية الوطنية التي تتوفر فيها الكفاءة والتأهيل المناسب لتلك الوظائف.
بدأت عمليات السودنة مع تسلم أول حكومة وطنية انتقالية الحكم في 9 يناير 1954، واستمرت أكثر من عام ونصف حتى أغسطس عام 1955.
صحيح بعض القطاعات نالت من يستحقها من الكفاءات السودانية، مثل رئاسة القضاء التي تسلمها مولانا محمد أحمد أبو رنات في 21 سبتمبر 1955، مسنوداً بخبرة في الخدمة المدنية عمرها (45) عاماً، منها (20) عاماً في السلك القضائي- وحده، وحصل على دراسات عليا في بريطانيا، وشغل منصب قاضي بالمحكمة العليا، بينما كان نصيب منافس أبو رنات القاضي أحمد متولي العتباني أن يصبح أول نائب عام سوداني.. ووظائف أخرى لسودانيين كانوا يتمتعون بالخبرة والتأهيل والفكاءة.
زلزال السودنة يهز الخدمة المدنية!!
اجتاحت السودنة المتعجلة وظائف الخدمة المدنية الحساسة، كما تجتاح النار القصر الفخيم، فهزت- كثيراً- أركان المؤسسات التي ربما قاومت- قليلاً- لكنها بالضرورة بدأت في الانحطاط التدريجي.
أم الكوارث.. والمخازي!!
لكن (مخازي) السودنة لم تقف عند هذا الحال..
كان أفجع ما أورثته السودنة أنها جسرت الحد الفاصل بين الخدمة المدنية والملعب السياسي، وهنا تكمن الكارثة التي ندفع ثمنها إلى هذا اليوم، وربما إلى أجيال قادمات- إن لم نتدارك الأمر.
تحلت الخدمة المدنية خلال فترة الاستعمار بكثير من الحياد الإيجابي، الذي وفر لها استقلالية أسهمت في تجويد الأداء، وبسط سيادة القانون، على أية اعتبارات سياسية، أو أخرى.
(كان كدا ما خربت!!)..
لكن طوفان السودنة المتعجل اعتمد في قوة دفعه على سيقان السياسة، وأطماع الساسة، الذين كانوا في أشد عنفوان التنافس– الأجدر أن نقول الصراع– السياسي، واختلطت في أذهانهم نوايا الكسب السياسي بقيم العمل الديواني المحايد، كما سنرى من خلال هذا التحقيق.
كانت تلك هي الضربة الأولى الموجعة التي وجهت إلى الخدمة المدنية السودانية، من بوابة السودنة أدخل الساسة حصان طروادة في قلب المدينة الفاضلة للخدمة المدنية السودانية، وزرعوا فيها أول بذور النباتات السياسية المتسلقة.
أحد كبار الموظفين السودانيين- الذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها يجلس على كرسي المدير البريطاني (المسودن)- تجول بنظره في المكتب الكبير، ثم نظر من النافذة إلى فناء الوزارة الضخم وفيه عشرات الموظفين يتحركون مثل خلية النحل- سأل ببراءة (كل هؤلاء هم الآن تحتي؟)، ردوا عليهم بالإيجاب.. فقال- بصوت عال وكأنه يحدث نفسه: (كان كدا ما خربت!!)..
لم يكن مجرد تعليق عفوي صدر من هذا الموظف السوداني المبهور بالتركة الثمينة.. بل هي لحظة صدق طارئة نطق بها لسانه وهو يدرك على أي مؤهل أو كفاءة اتكأ ليبلغ درج هذه الوظيفة الرفيعة الحساسة.
سأخذكم من خلال سطور هذا التحقيق- خطوة خطوة- لتدركوا أن السودنة- التي كانت أول المخازي السودانية- فرشت التربة المناسبة بعد ذلك لتتبت عليها مخازٍ مرتبطة بها، سيأتي ذكرها في ترتيبها الزمني.. هذه المخازي تمثلت بعد ذلك في التطهير الوظيفي، بعد ثورة أكتوبر 1964.. ثم التطهير الوظيفي في بداية عهد مايو 1969.. ثم النقلة الهائلة في مفاهيم التطهير الوظيفي التي حدثت في 1989 عهد الإنقاذ، تحت عباءة (التمكين)، وأطلق عليها سياسات (الصالح العام).. وطالت آلاف الموظفين على شبهات سياسية فجة، وكانت أكبر نكبات الخدمة المدنية فأتت على ما تبقى منها تماماً.
كل حملات التطهير الوظيفي هذه كانت نباتاً متسلقاً، زرع في ثنايا عمليات السودنة، (أول المخازي العشر).
ونواصل
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-08-2014, 11:24 AM 4 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني

الحلقة (3)
الأحزاب السياسية السودانية ومنذ بواكير فجرها.. كانت تعاني من قصور ذهني وإستراتيجي خطير دفع ثمنه الشعب السوداني على مر العهود.. فالوطن الذي تسلمه الحكم الوطني من المستعمر بدون (شق أو طق) على قول الزعيم الأزهري.. كان يتهاوى تحت معمول الأحزاب والساسة.. كما سنرى في ثاني المخازي العشر في حلقة اليوم!!
مغيب قبل الشروق!
الزعيم إسماعيل الأزهري كان أول سوداني يتشرف بمنصب رئيس الوزراء قبل الاستقلال بعد فوز حزبه الوطني الاتحادي في انتخابات عام 1953. وكانت آمال السودانيين كبيرة في حكومته لتعبر بهم إلى الاستقلال. لكن..!!!
بالكاد.. وبأعجوبة استطاع الأزهري أن (يصمد!!) حتى موعد القدر مع التاريخ الذي نال فيه السودان الاستقلال.. بل – وأرجو أن لا يعد هذا تطرفاً في الرأي- يبدو أن حبكة الاستقلال–من داخل البرلمان- كلها كانت لإخراج الأزهري من ورطته السياسية وليفوز بشرف رفع علم الاستقلال ويسجل التاريخ ذلك.. ثم.. ثم لا شيء بعد ذلك..!! وعبارة (بعد ذلك) ربما تتمدد إلى شهر أغسطس عام 1969 عندما صعدت روح الزعيم الأزهري إلى بارئها في مستشفى الخرطوم، بعد أشهر قليلة من انقلاب العقيد جعفر النميري عليه.. لم ترصد في إنجازات الزعيم الأزهري سوى لحظات رفع العلم الحسيرة..
حكم آيل للسقوط..!!
أفلتت حكومة الأزهري من السقوط وقدر الله لها أن ترفع علم السودان في أول يناير 1956.. لكن رصيدها نفد مباشرة بعد زوال فرحة الاستقلال، فأنقذها الأزهري بتكوين حكومة ائتلافية في فبراير 1956.. كانت هي الأخرى مجرد حكومة (الأنفاس الأخيرة).. لأنها أسلمت الروح بعد حوالي خمسة أشهر.. بالتحديد في 6 يوليو 1956.. عندما أطاح (ديمقراطياً) بالأزهري وزير دفاعه السيد عبد الله خليل، بالأزهري وتولى رئاسة وزارة أول حكومة سودانية بعد الاستقلال.
سوسة الساسة!!
كل المخاوف التي أبداها المستعمر البريطاني قبل رحيله باتت تتكشف عارية أمام الجميع.. خشى المستعمر من هز أركان الخدمة المدنية بتأثرها برياح تدخلات الساسة والسياسة.. وكان البريطانيون يتشككون كثيراً في رشد الساسة السودانيين وقدرتهم على إدارة وطنهم بعد الاستقلال وفق رؤية سديدة..
ما إن تسلم السيد عبد الله خليل الحكم حتى بات في مواجهة مريرة في كل الاتجاهات.. لسوء حظه اشتعلت الحرب في مصر في 29 أكتوبر عام 1956.. العدوان الثلاثي الذي قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. وتحول الموقف من الحرب في السودان إلى سوق ومزاد سياسي كبير هنا في الخرطومبين مواقف الأحزاب المتناقضة. وكان السودان لحظتها يكابد أزمة اقتصادية كاسحة بسبب تدني أسعار القطن الذي كان الممول الأول والأكبر لخزينة السودان.
المناورات السياسية لم تنقطع لحظة واحدة.. حتى كادت الحكومة تعلن حالة الطوارئ.. والأزهري لم ينس مطلقاً الكأس التي تجرعها من عبد الله خليل (وزير دفاعه في أول حكومة بعد الاستقلال).. وأخيراً بدأت خيوط اللعبة السياسية تتكشف عن مؤشرات على اتفاق جديد بين السيدين الميرغني والأزهري قد يطيح بحكم عبدالله خليل.. والذي سيفضي بالضرورة إلى حكومة جديدة تعود بالأزهري مرة أخرى إلى رئاسة الوزارة..
الجان يخرج من الجرة!!
ثاني المخازي العشر.. كانت تلك اللعبة (الأنانية) التي مارسها السيد عبدالله خليل، وأدت بعد ذلك لعشرات النسخ المكررة التي حاولت تقليد لعبته.. بعضها أصاب وأكثرها خاب!!
عبد الله خليل لما رأى تضعضع الحكم تحت أقدامه وارهاصات عودة الأزهري ذهب إلى قيادة الجيش.. الفريق إبراهيم عبود القائد العام للجيش السوداني.. وطلب منه تسلم الحكم لإنقاذ البلاد من خطر الانهيار الداهم.
القائد العام للجيش رفض الطلب.. وأصر على حياد الجيش تجاه العمل السياسي والمدني.. رفض الفريق عبود بإصرار مبررات رئيس الوزراء، بحكم تكوين عبود العسكري المهني الصارم فهو عسكري محترف تخرج من المدرسة الحربية في العام 1918 وتدرج في الرتب العسكرية إلى أن تولى منصب القائد العام بعد أربعة أشهر من استقلال السودان ( 4 أبريل 1956).
لكن عبدالله خليل ألح في طلب تدخل الجيش بحجة أن البلاد معرضة للسقوط في بحر الفضوى إن لم يمارس الجيش مهمته في حمايتها من الخطر.. أخيراً وافقت قيادة الجيش على طلبه..
يقول الأستاذ عبد الرحمن مختار (مؤسس صحيفة الصحافة) في كتابه (خريف الفرح).. إن عبدالله خليل ذهب في يوم 16 نوفمبر 1958 إلى القيادة العامة للجيش للاطمئنان على ترتيبات (الانقلاب العسكري).. لكنه تعرض لصدمة نفسية قاسية عندما رفض الحرس السماح له بدخول القيادة.. فاتصل بالفريق عبود الذي رد عليه بكل حزم أن الترتيبات العسكرية بدأت ولا شأن لـ(المدنيين!!) بها.. لغة الجيش الحاسمة كانت كافية ليفهم منها عبدالله خليل أنه أخرج الجان من قمقمه.. وأن الجان لن يعود!!
في صباح اليوم التالي الإثنين 17 نوفمبر 1958 عزفت الإذاعة السودانية المارشات العسكرية مطلقة صافرة البداية ليس لأول انقلاب عسكري فحسب، بل لسلسلة من الانقلابات العسكرية سطرها التاريخ السياسي المعاصر في السودان.
شهادة الجنرال عبود..!!
كان عملية تسليم وتسلم من تخطيط وتنفيذ رئيس الوزراء (المنتخب!!) عبد الله خليل. وأقر بذلك الفريق إبراهيم عبود بعد الإطاحة به في ثورة 21 أكتوبر 1964 الشعبية أمام لجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر فقال (قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل، وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيء إلى أسوأ، وأن أحداثا خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة) ."
قصة هذا الانقلاب هي ثاني المخازي العشر لأنها أفضت إلى نتائج مهولة في التاريخ السوداني.. أقحمت الجيش في العمل السياسي وفتحت شهية العسكريين لتكرار المحاولة فبعد أربعة أشهر فقط من انقلاب عبود بدأ العسكريون تجربة حظهم.. فكانت أول محاولة انقلابية اشترك فيها اللواء محيي الدين أحمد عبد الله واللواء عبد الرحيم محمد خير شنان في 2 ماس 1959 وفشلت.. فأعادها بعد يومين وفشلت فكرراها بعد شهرين في مايو وفشلت أيضاً. ونتج عنها استيعابهم في المجلس العسكري الحاكم.
فتح الشهية الانقلابية!!
ولكن الانعطاف الحاد في الانقلابات العسكرية بدأ بعد عام واحد من نجاح عبود في استلام السلطة.. ففي 9 نوفمبر 1959 قاد اليوزباشي (المقدم) علي حامد انقلاباً عسكرياً مثيراً.. إذ كلهم من صغار الضباط وشارك فيه من المدنيين ساسة من كل الأحزاب على رأسهم الأخوان المسلمين (بقيادة الرشيد الطاهر بكر) والشيوعيين.
أجريت لهم محاكمات عسكرية صدر بعدها حكم بإعدام خمسة من القيادات العسكرية.
ثاني المخازي العشر هذه كانت مدخلاً لإدارج سلسلة من الانقلابات العسكرية في التاريخ السوداني المعاصر. هذه المحاولات الانقلابية العسكرية هي:
• 17 نوفمبر 1958 – انقلاب الفريق إبراهيم عبود نجح في تسلم السلطة.
• مارس ومايو 1959 محاولة انقلابية فاشلة بقيادة محيي الدين وشنان.
• 9 نوفمبر 1958 محاولة انقلابية قادها المقدم علي حامد بمشاركة ساسة منهم الرشيد الطاهر بكر فشلت وأدت للحكم بالإعدام على خمسة ضباط.
• 22 ديسمبر 1966 محاولة انقلابية فاشلة بقيادة الملازم خالد الكد.
• 25 مايو 1969 انقلاب عسكري ناجح بقيادة العقيد –آنئذ- جعفر محمد النميري
• 19 يوليو 1971 انقلاب عسكري ناجح بقيادة الرائد هاشم العطا لكنه لم يستو على منصة الحكم أكثر من ثلاثة أيام حيث نجح النميري في العودة للحكم مرة أخرى في 22 يوليو 1971. وأدى الانقلاب إلى مجزرتين الأولى راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ضابطاً كانوا معتقلين لدى الانقلابيين في بيت الضيافة. ثم مجزرة أخرى ضد قيادات الحزب الشيوعي السوداني الذين اعدموا بعد محاكمات صورية.
• 5 سبتمبر 1975 انقلاب عسكري فاشل قاده العميد حسن حسين. صدر حكم بإعدام قادة الانقلاب.
• 2 يوليو 1976 انقلاب عسكري بمساندة مقاتلين مدنيين قاده العميد محمد نور سعد وصدر حكم بإعدامه وعدد كبير من الذين شاركوا في العملية العسكرية من المدنيين.
• 6 أبريل 1985 انقلاب عسكري بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، جاء استجابة لهبة شعبية جماهيرية ضد نظام الرئيس النميري. وأسلم الحكم للأحزاب بعد فترة انتقالية مدتها عام واحد.
• 23 يونيو 1989 انقلاب عسكري فاشل.
• 30 يونيو 1989 انقلاب عسكري ناجح بقيادة العميد – آنئذ- عمر حسن أحمد البشير.
• أبريل 1990 بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو انقلاب عسكري فاشل نتج عنه إعدام (28) ضابطاً من الذين شاركوا فيه.
• مارس 2004 محاولة انقلابية اتهم بها قادة حزب المؤتمر الشعبي وصدر بالقبض على قائدها الدكتور الحاج آدم يوسف لكنه أفلت إلى خارج البلاد وعاد بعد فترة وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية.
ثاني المخازي العشر!!
ليس من أهداف هذا التحقيق الصحفي تقييم فترة حكم الجنرال عبود أو الطريقة التي انتهى بها عهده. إذ ينحصر الحديث حول ثاني المخازي العشر في سابقة اقدام حكومة مدنية منتخبة تسليم الحكم طواعية إلى انقلاب عسكري طلبته الحكومة بالحاح. بلا شك يثبت هذا العقلية السياسية التي تحكم البلاد أو تهيمن على مصائرها. ويبرهن على أن المفاهيم السياسية نمت منذ لحظة ميلاد الاستقلال (وربما قبل ذلك) على طمع وأنانية قاتلة أفضت إلى الواقع السوداني المرير الذي يكابده الشعب السوداني حتى اليوم.
ونواصل
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-08-2014, 11:35 AM 5 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني


الحلقة (4)
في يوم 21 أكتوبر 1964 سطر التأريخ أعظم الثورات الجماهيرية العربية، هبّ الشعب السوداني- كلّه- بمختلف أحزابه، وألوانه العرقية، إلى الشارع، وبصوت واحد، أطاح بالحكم العسكري، الذي تصرف قادته بمنتهى الحكمة، وأسلموا الزمام بسلاسة، وتنحوا في صمت كامل.. وبدا أن الشعب انطلق في مسار الحرية من جديد.. لكن إلى أين؟!!
الاحتفال بعد شهر واحد!!
بعد شهر واحد من نجاح ثورة أكتوبر الشعبية قررت الحكومة الاحتفال بها رسمياً.. أقيم الاحتفال في ميدان فسيح (في موقع نادي الأسرة بالخرطوم حالياً).. نصبت منصة عالية جلس عليها كبار رموز الحكومة..
نُظمت طوابير عرض النقابات والمنظمات المجتمعية لمختلف الفئات.. كان طابور كل نقابة أو منظمة أو حتى مدرسة يحمل أعلام السودان، ولافتات قماش كبيرة مكتوب عيها اسم النقابة أو الجهة.
من بين هذه النقابات كانت نقابة عمال الخطوط الجوية السودانية (سودانير).. عددهم لم يكن كبيراً أكثر قليلاً من عشرة.. يحملون لافتة ضخمة مكتوب عليها (التطهير واجب وطني).. كان وفد النقابة يسير بصمت في طابور العرض إلى أن حاذى المنصة الرسمية- فجأة- توقف عن السير، والتفت جانباً في مواجهة المنصة.. ووجَّه اللافتة الكبيرة أيضاً تجاه المنصة، وانطلق في هتافات متشنجة (عبد الباقي عدو الشعب.. عبد الباقي عميل).. تجمد طابور العرض في انتظار تحرك وفد نقابة (سودانير) لكنهم تسمروا في مكانهم، واستمروا في هتافهم قبالة المنصة.. أعضاء الحكومة الجالسون في أعلى المنصة أشاروا إليهم أن قد سمعنا هتافكم ومطلبكم مجاب.. وطلبوا منهم مواصلة سيرهم.. فاستدار الوفد العمالي الثائر، وأكملوا طريقهم بعيداً عن المنصة..
في صباح اليوم التالي.. وفي أول نشرة إخبارية الساعة السادسة والنصف صباحاً.. أذاع راديو أم درمان الخبر (بيان من الحكومة يعلن إقالة عبد الباقي مدير عام الخطوط الجوية السودانية سودانير..).!.
السيد عبد الباقي محمد كان أول مدير وطني للخطوط الجوية السودانية، تميّز بالكفاءة والخبرة حيث عمل فترة في الخطوط الجوية البريطانية، وتحفظ له ذاكرة سودانير أعظم الإنجازات والنجاحات، كل ذلك لم يشفع له في مواجهة شعار (التطهير واجب وطني).. الذي جعل مجموعة من العمال المسيسيين قادرين على إرغام الحكومة على الإطاحة بمديرهم العام..
ثالثة المخازي العشر!!
قصة إقالة مدير (سودانير) بعد شهر واحد من نجاح ثورة 21 أكتوبر، كانت صافرة إنذار مبكر لفصل جديد من الفشل في إدارة السودان.. كانت تلك (ثالث المخازي العشر)، الحملة المدمرة للخدمة المدنية تحت شعار (التطهير واجب وطني).. وتغنى بها أحد أبطال الأكتوبريات الفنان محمد وردي في أغنيته الشهيرة:
هتف الشعب من أعماقو التطهير واجب وطني والحرية في أرض بلادي للأحرار بسمة وطني حقوق المرأة الكانت ضايعةعادت وزانت رفعة وطني من أهداف ثورتنا.. 
حماية جيرتنا.. سلامة وحدتنا هيا هيا..
هيّا حيّوا الثورةوشمّروا ساعة الجِد.. ساعة الجَد.

الشعار طرحه اليسار السوداني بعد ثورة أكتوبر، ولقي رواجاً شعبياً ساندته كل الأحزاب، وفي طوفان العواطف الثورية بدأت حملة منظمة للإطاحة برموز الخدمة المدنية تحت قهر الوساوس السياسية.. كثير من الذين أطاح بهم شعار (التطهير واجب وطني) لم يكن لهم نشاط، أو انتماء سياسي.. وكانوا من أكفأ قيادات الخدمة المدنية، لكنهم راحوا ضحية الكيد ربما الشخصي المتستر بأثواب الثورية الحمقاء.
حساب الخسائر هنا لا يمكن قياسه بعدد الذين شملهم شعار (التطهير واجب وطني) فحسب بل بحجم الثغرة التي أحدثها الساسة في جدران الخدمة المدنية.
ويجدر هنا أن أستعيد معكم ما كتبته في الحلقة الثانية عن (أولى المخازي العشر)، وهي قرارات (السودنة)، التي مثلت وامتثلت للنهم، والجشع السياسي، وكانت أول مدخل الساسة إلى مدينة الخدمة المدنية الفاضلة.
الموجة الثالثة من الهجوم!!
لم يكن مفاجئاً لأحد أن تنهار حكومات أكتوبر بعد أربع سنوات- حسوماً- قضاها الشعب السوداني وهو يتفرج على ملهاة سياسية عجزت حتى عن كتابة دستور (رغم وجود دستور سابق).. ثم جاء نظام الرئيس النميري في 25 مايو 1969 ليكمل المجزرة التي دشنتها قرارات السودانة، ثم كرستها شعارات (التطهير واجب وطني) بعد أكتوبر 1964، ويدشن الموجة الثالثة من الهجوم الكاسح على الخدمة المدنية السودانية.
فصل أساتذة جامعة الخرطوم!!
أنشبت حكومة النميري أنيابها في جسد الخدمة المدنية، وأصدرت قرارات الفصل في حق كل من تحوم حوله شبهة الارتباط بـ (الرجعية وأذنابها من الإخوان المسلمين)، وكان يقصد بالرجعية جماهير حزب الأمة.
وبلغت أعتى موجات العبثية بقرارات فصل أساتذة جامعة الخرطوم، شمل القرار (13) أستاذاً في جامعة الخرطوم لا لسبب سوى شبهة (التعاطف) وليس الانتماء السياسي، ومن المثير للدهشة أن كل الأستاذة الذين شملتهم قرارات الفصل تسابقت نحوهم جامعات أجنبية، وضمتهم إلى هيئات تدريسها، فهجروا الوطن إلى أوطان اعتزت بإقامتهم فيها.
كان من أبرز الذين شملتهم قرارات الفصل السياسي البروفيسور عبد الله الطيب الذي كان عميداً لكلية الآداب، والبروفيسور دفع الله الترابي عميد كلية الهندسة، والبروفيسور مدثر عبد الرحيم عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وآخرون.
لم يكن مفهوماً لأحد المعايير والجهة التي تصدر هذه القرارات لكن كان معلوماً أنه ما عادت الخدمة المدنية مستقلة عن الجهاز السياسي للدولة، وبدأت موجة من القرارات- وثيقة الصلة- تحطم هيكلة الدولة السودانية، وعلى رأسها أنظمة الحكم الأهلي (الإدارة الأهلية)، التي كانت من أكفأ منظمات المجتمع المدني السوداني وأكثرها تأثيراً وتنظيماً، للدرجة التي جعلت المستعمر البريطاني يستثمر ويعوِّل عليها كثيراً في توفير الأمن، والخدمات، والنظام، للمجتمعات الريفية.
الصالح العام.. الضرر العام!!
لم تتوقف المعارك الطاحنة ضد الخدمة المدنية السودانية.. فبعد نجاح الانقلاب العسكري في فجر 30 يونيو 1989 بدأت موجة ثالثة من الهجمات المنظمة ضد الخدمة المدنية، هذه المرة أُطلق عليها سياسات (الصالح العام).
هذه المرة كانت الهجمة قاسية وظالمة إلى أبعد مدى؛ إذ طالت الآلاف في مختلف مواقع الخدمة المدنية، ولم يكن شرطاً أو مطلوباً التثبت من قرار فصل الموظف العام، حيث كانت تكفي بضع سطور أو وشاية للإطاحة بأي موظف في أرفع منصب، دون أن تقدم له أية مبررات لفصله.
سياسات (الصالح العام) أدت إلى نشر الذعر في كل مفاصل الخدمة المدنية للدرجة التي صار فيها مديرو المكاتب أكثر نفوذاً من الوزراء- أنفسهم-، والخوف من البطش السياسي فتح مجالاً واسعاً لفساد وظيفي غير محدود، أتى على البقية الباقية من الخدمة المدنية، وحولها إلى مجرد محميات سياسية شحيحة الخبرة، وعاطلة الذهن والهمة.
تعطل ماكينة الدولة!!
الخدمة المدنية هي الماكينة المحركة لأي دولة، ويرتبط تطور الدولة بسلامتها من الأذى السياسي، وقدرتها على ممارسة عملها بكل تجرد بعيداً عن المؤثرات السياسية، لكن الخدمة المدنية في السودان، وبعد أربع موجات من التدمير المنهجي انهارت تماماً، وحولت البلاد إلى عربة معطوبة الإطارات لا تقوى على السير حتى في الطرق المسفلتة.
(ثالث المخازي العشر) هذه لا تزال تنفث سمها الزعاف في جسد البلاد- وما لم تخضع إلى عملية جراحية تستعيد عافيتها، وتقوم خطوها- فلا أمل في أي إصلاح حقيقي في البلاد.
ونواصل
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-09-2014, 08:12 AM 6 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني

واحد من أسوأ عهود الظلام السياسي.. ما حدث في إستاد الخرطوم ليلة 25 مايو 1970 بحضور الرئيسين جمال عبد الناصر ومعمر القذافي.. صعد الرئيس السوداني اللواء أركان حرب جعفر محمد النميري إلى المنصة وألقى خطاباً بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأولى لانقلاب 25 مايو 1969.. الخطاب استغرق أكثر من ساعتين.. لكنه حوى أخطر قرار في تاريخ السودان الحديث.. ومازلنا ندفع ثمنه الفادح حتى هذه اللحظة.. إنها (خامسة المخازي السودانية العشر)!!
ما الذي حدث بالضبط!!
بدون مقدمات.. في ليل 25 مايو 1970 واحتفالاً بمرور عام على انقلابه العسكري أعلن الرئيس جعفر النميري (تأميم!) كل البنوك الأجنبية العاملة في السودان وبعض الشركات.
قرار (التأميم) Nationalization يعني مصادرة البنك أو الشركة أو المصنع من أصحابها واستيلاء الحكومة عليها وتحويل ملكيتها بشكل كامل.
يبدو أن الرئيس نميري، لحظتها كان منفعلاً بما فعله جمال عبد الناصر، في قناة السويس عام 1956. عندما أعلن قرار (تأميم) قناة السويس فاندلعت حرب العدوان الثلاثي. بل واستخدم نفس الأسلوب تقريباً بما في ذلك الإعلان في الخطاب الجماهيري أن قوات الجيش – وفي لحظة القاء الخطاب – تحركت وسيطرت على مقار البنوك المؤممة.. وهو ضرب من الإثارة (البوليسية) مقصود منها ضخ مزيد من العواطف الشعبية في القرار وتصويره وكأنه غزوة (سودانية وطنية) ضد غازٍ أو مستعمر أجنبي يسيطر على موارد البلاد الاقتصادية.
قرارات (المراهقة) الثورية!!
البنوك التي أطاح بها قرار (التأميم) والمصادرة:
• بنك باركليز (24 فرعاً) (أطلق عليه بعد التأميم اسم بنك الدولة للتجارة الخارجية).
• بنك مصر ( 6 فروع) (وأطلق عليه بعد التأميم بنك الشعب التعاوني).
• بنك ناشونال اند جرند ليز (البنك العثماني سابقاً) (4 فروع) وأطلق عليه بعد التأميم بنك أم درمان الوطني.
• البنك العربي ( 3 فروع) (تم تحويل اسمه بعد التأميم إلى بنك البحر الأحمر)
• البنك التجاري الإثيوبي (فرع واحد في مدينة جوبا) (تم تحويل اسمه بعد التأميم إلى بنك جوبا)
• البنك التجاري السوداني (احتفظ بنفس الاسم)
• بنك النيلين (احتفظ بنفس الاسم)
اضافة إلى أربع شركات بريطانية هي:
شركة جلاتلي هانكي (أطلق عليها مؤسسة مايو التجارية للعاملين)
شركة سودان ماركنتايل و شركة كوتس (أدمجتا في مؤسسة الدولة للتجارة الخارجية)
شركة الصناعات الكيماوية (أطلق عليها الشركة الوطنية للكيماويات).
من صنع القرار الكارثة؟؟
من كان وراء هذه الكارثة الاقتصادية التي لم تخرج من جسد الاقتصاد السوداني حتى اليوم.. لا أحد.. كل يرمي باللائمة على غيره..
قبل عدة سنوات كنت أجمع مادة تحقيق صحفي حول قرارات المصادرة والتأميم التقيت بالدكتور فاروق كدودة (رحمه الله) في منزله بالخرطوم .. قال لي الأمر غير واضح بصورة دقيقة، لكن أغلب الظن أن الأستاذ أحمد سليمان المحامي كان البطل الرئيسي خلف هذه القرارات.
الدكتور منصور خالد كتب في كتابه (السودان والنفق المظلم) (لقد وجد النميري سندا قويا في معركته مع الشيوعيين من داخل الحزب الشيوعي نفسه، خاصة من جانب المجموعة المنشقة بقيادة أحمد سليمان وزير التجارة الخارجية، ومعاوية إبراهيم وزير الدولة للشئون الخارجية ووزير العمل، وحاولت تلك المجموعة احراز نصر على الحزب الشيوعي بالضغط من أجل التأميم الشامل والمصادرات والذي قام بإعداد تفصيلاتها أحمد سليمان بمعاونة المستشار الاقتصادي لمجلس قيادة الثورة أحمد محمد سعيد الأسد..)
تحليلات أخرى تتهم مجموعة من الشيوعيين الذين انشقوا على الحزب الشيوعي بعد أقل من عام من انقلاب 25 مايو 1969. ذكرت عدة أسماء منها السيد محمد عبد الحليم. اتصلت به هاتفياً – في الولايات المتحدة الأمريكية - قبل عدة سنوات ووافق على تقديم إفادته لكن ظروفاً حالت دون ذلك.
الهجمة مستمرة!!
لم تنته قرارات التأميم والمصادرة بالوجبة الدسمة التي التهمها الرئيس النميري، في خطابه في إستاد الخرطوم في ليلة 25 مايو 1970. موجة جديدة من القرارات هبطت على الاقتصاد السوداني :
في الرابع من يونيو 1970 (أي بعد حوالي عشرة أيام فقط) صدر قرار بتأميم شركة أسمنت بورتلاند وأطلق عليها اسم جديد هو (مؤسسة ماسبيو للأسمنت) واسم (ماسبيو) مختصر للثورات الثلاث ثورة مايو السودانية والفاتح من سبتمبر الليبية و23 يوليو المصرية.. (هذه الشركة تحولت بعد عدة سنوات إلى شركة أسمنت عطبرة).
وحتى نهاية شهر يونيو 1970 كانت حكومة النميري قد التهمت كل الشركات الأجنبية أو التي يملكها بعض السودانيين من أصول أجنبية. بل وشملت المصادرة بعض البيوت الخاصة بهم ومحلات صغيرة وبقالات ودور للسينما ومطاعم.
المشهد المأساوي مَثَّل خليطاً من التراجيديا الممزوجة بالكوميديا حينما ذهبت لجان المصادرة إلى بعض المحلات التي صدر قرارات جمهورية بمصادرتها فوجدتها مجرد (أكشاك) صغيرة. كان واضحاً أن (الارتجال) و(الرجالة) الثورية هي التي تصنع القرار لا المعلومات والدراسات.
كافوري.. ومعلوف!!
عائلة عزيز كافوري والدكتور معلوف من الأسر السودانية ذات الأصول الأجنبية. عائلة كافوري لا تزال في خارطة الذاكرة السودانية باسم الحي العريق الفاخر في مدينة بحري (حي كافوري) المُسمى باسم هذه العائلة، التي اشتهرت بمزارع تربية الأبقار وتسويق الألبان. ولا يزال السودانيون يذكرون الإنتاج الوفير الطازج من ألبان كافوري (حوالي ألفا بقرة فرزيان) الذي كانت تطوف به سيارات التوزيع في جميع أرجاء العاصمة وتسلمه من المصنع إلى البيوت مباشرة دون وسيط.
وعزيز كافوري هو سوداني من أصل لبناني الأصل دخل السودان في العام 1899 بعد سقوط الدولة المهدية مباشرة.
صدر قرار جمهوري – دون أن يطرف للرئيس جفن- بمصادرة ممتلكات (كافوري).
أما عائلة معلوف فحظها كان أسوأ.
تمتلك عائلة معلوف مزارع ضخمة في منطقة (الفكي هاشم) في الريف الشمالي لمدينة الخرطوم بحري. وكان تمثل استثماراً زراعياً فائق النجاح إذ يصدر إلى خارج السودان الفواكه بالتحديد ثمار المانجو. وأسهمت عائلة معلوف في تنمية المنطقة فرغم كونها مسيحية الديانة إلا أنها ساهمت في بناء المساجد والمدارس ومركز رعاية صحية وجسر وغيرها.
أصدر الرئيس النميري قراراً بمصادرة ممتلكات معلوف وتم تحويل المشروع إلى (مشروع الشعب الزراعي) وتدهور إلى أن أصبح مجموعة مزارع فقيرة متفرقة.
قال لي السيد فؤاد معلوف – أحد أبناء دكتور معلوف- بكل حسرة (من يوم صدور قرار المصادرة وحتى الآن لم أر المشروع ولم أدخل منطقة الفكي هاشم قط).
الذعر.. الاقتصادي!!
قرارات المصادرة والتأميم أشاعت الذعر في كل البلاد وبدأ أصحاب الأعمال في إخفاء أموالهم وانسحب الاستثمار الأجنبي والوطني وتحولت الشركات والبنوك المصادرة إلى بؤر فساد حكومي طافح. وبدأت مرحلة الانهيار الاقتصادي المريع.
مراهقة ثورية!!
كانت البنوك والشركات الأجنبية تمثل أنجح الاستثمارات الجاذبة لمزيد من الاستثمار الأجنبي في السودان. وكانت منتجاتها فخرا للصناعة والتجارة السودانية واشتهر شارع الجمهورية في الخرطوم بأفخر محلات التجارة الراقية ليس على مستوى السودان فحسب بل على مستوى الدول العربية. كل ذلك ذاب وانزوى بقرارات (المراهقة) الثورية.
لم تمض سنوات قليلة حتى تراجع نظام الرئيس النميري عن حماقاته.. لكن لات حين مندم.. كان (الدمار الشامل) الاقتصادي سيطر على السودان وبدأ السقوط.
الرقيب العام!!
وضعت الحكومة كل هذه البنوك والشركات والمصانع المصادرة تحت تصرف ضابط شاب برتبة (رائد) هو أحد أعضاء مجلس قيادة ثورة مايو.. الرائد زين العابدين محمد أحمد (رحمه الله). وابتداء من اليوم التالي لقرارات المصادرة بدأت قرارات تعيين مجالس إدارات جديدة.. موظفو الحكومة حلوا محل أصحاب الشركات والمصانع وقفزوا في مكاتبهم وامتلكوا سياراتهم بل وبيوتهم (وللحقيقة اكتفوا بذلك ولم يستولوا على زوجاتهم وأطفالهم أيضاً). مشهد لا مثيل له إلا في ظلام القرون الوسطى عندما يصبح العضل وسلطة القهر هي الحاكم والآمر. ويغيب العقل والرشد .. والعدل..!!
خامسة المخازي السودانية العشر!!
قرارات المصادرة والتأميم كانت (خامسة المخازي السودانية العشر).. ليس في زلزالها الاقتصادي ودمارها المباشر فحسب.. بل في نموذج التفكير الثوري (المراهق) الصبياني عندما يصبح هو الحاكم بأمره بلا أدنى رادع. فقد تبرجت مقالات كبار الصحفيين في الصحف تمتدح قرارات (الرئيس القائد).. وتبارت النخبة المستنيرة في تشييد أبراج الأوسمة لفكر وذكاء ووطنية حكومة الثورة. بل وخرجت المسيرات الجماهيرية الصداحة بهتافات التأييد. وغاب تماماً العقل والرشد والرأي الآخر الذي يجب أن يكبح جماح العربة المنطلقة نحو الهاوية.
من يومها.. واقتصادنا العليل يزداد علة.. حتى صرنا ونحن على ضفاف عشرة أنهر تعبر السودان جوعى وعطشى نستمطر العالم الإغاثات.
إنها خامسة المخازي السودانية العشر.. قرارات المصادرة والتأميم.
ونواصل
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

12-09-2014, 08:19 AM 7 افتراضي رد: تحقيق (من ضيع السودان.. عشر مخازي سودانية)
ديمتري السوداني
كاتب الموضوع
الصورة الرمزية ديمتري السوداني


الحلقة السابعة
أبوكم مين.. علي قاقارين) هتاف استفزازي للرئيس النميري
قبل قراءة هذه الحلقة يجدر بكم التأكد من وجود علبة مناديل ورق بجواركم.. فصل محزن ومخزٍ لدرجة النواح على وطن كاليتيم الذي أسلم ماله وقراره للسفهاء (والسفهاء تعبير قرآني ورد في الآية "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم.").. رئيس الجمهورية وفي لحظة غضب (شخصي) يقرر معاقبة الشعب كله.. وأي عقاب.. (الدمار الشامل) الذي لا يزال يدفع السودان ثمنه الفادح حتى اليوم وربما لأجيال قادمة.. إنها (سادسة المخازي السودانية العشر)!!
ما الذي حدث بالضبط!!
في تمام الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الأحد 25 أبريل عام 1976.. وفي إستاد المريخ بأم درمان كانت مباراة القمة بين فريقي الهلال والمريخ.. المناسبة كانت (كأس الثورة الصحية).. التي أعلنها اللواء خالد حسن عباس وزير الصحة آنئذ.. والمباراة بهدف جمع التبرعات لمشروعات وزارة الصحة..
في المقصورة الرئيسية كان الرئيس جعفر محمد النميري، يجلس وسط ثلاثة من شيوخ دولة الإمارات على رأسهم الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان والذي تبرع بعشرة آلاف جنيه سوداني للثورة الصحية.
روى لي لاعبنا الدولي علي قاقارين وقائع تلك المباراة.. قال لي (قبل يوم من المباراة أطلق مشجعو الهلال إشاعة أنني مصاب ولن أشارك.. وكانوا يقصدون التأثير على استعداد المريخ للمباراة.. وعندما بدأ نزول لاعبي الهلال إلى الميدان تأخرت قليلاً عن الفريق لسكب مزيد من الإثارة النفسية.. ثم دخلت الميدان وتصادف أنها كانت نفس اللحظة التي دخل فيها الرئيس النميري إلى الإستاد..)
الجمهور كان كبيراً بدرجة غير مسبوقة.. اشتعلت المدرجات بالهتاف للاعب علي قاقرين وتجاهل الجمهور وصول الرئيس النميري إلى الملعب. كانت تلك أول إشارة في الاتجاه الذي انزلقت إليه الأحداث بعد ذلك.
قصة المعركة بين اللاعبين!!
يقول علي قاقارين (الشوط الأول انتهى بالتعادل السلبي.. في الشوط الثاني كنت في الجهة اليسرى من الملعب احتك بي لاعب المريخ الطاهر الهواري وكعبلني من الخلف.. غضب عزالدين الدحيش وضرب الهواري.. فاندفع نحوه الطيب سند حارس المريخ وضرب الدحيش.. كنت على الأرض وبجانبي الهواري عندما أشهر الحكم محمود حمدي البطاقة الحمراء في وجه حارس المريخ الطيب سند.. لاعبو المريخ رفضوا خروج الطيب من الملعب.. ثم غادروا كلهم.. لكن الوساطات أرجعتهم مرة أخرى إلى الملعب..)
هذه الأحداث التراجيدية استغرقت حوالي نصف ساعة توقفت خلالها المباراة تماما..
في لحظة قاتلة في الدقيقة (25) من عمر المباراة أرسل لاعب الهلال عزالدين الدحيش كرة أمام المرمى استلمها علي قاقارين ولدغ شباك المريخ بهدف قاتل على يمين حارس المرمى البديل الهادي سليم..
اشتعلت المدرجات.. انتهت المباراة بفوز الهلال (1- صفر) وبدأت الجماهير تهتف:
-(أبوكم مين.. علي قاقارين)
- (النجمة.. النجمة.. تحت الجزمة.. جزمة مين.. علي قاقرين).
وهو هتاف استفزازي للرئيس النميري (الذي لم يكن يخفي تعصبه للمريخ) وكان النميري تعود على هتاف (أبوكم مين.. نميري)..
قال لي أحمد محمد الحسن الصحفي الرياضي الأشهر.. والذي كان حاضراً تلك المباراة عن صحيفة (الأيام) الحكومية آنئذ.. قال لي إنه رأى الرائد زين العابدين محمد أحمد وزير الرياضة والشباب والذي كان بالمقصورة جوار الرئيس النميري.. رآه يلوح بيديه الاثنتين بعلامة (باي.. باي) أي وداعاً.. لم يكن واضحاً ماذا يقصد الوزير لكن الأيام التالية بعد تلك المباراة كشفت ما كان يقصده الوزير..
الوزير يعلن (سبق السيف العزل)!!
في نفس تلك الليلة وزع وزير الرياضة الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر بياناً مكتوباً إلى الصحف ووكالة السودان للأنباء هذا نصه:
(إلى جماهير الرياضة.. الحق يعلو ولا يعلى عليه.. لقد كانت مباراة الهلال والمريخ تأكيداً لإيمان مطلق بأن الرياضة تعيش كارثة حقيقية.. كانت جماهير الكرة السودانية على استعداد لتشجيع اللعبة الجميلة وليس السلوك غير اللائق.. اعتبار نتيجة المباراة ملغاة بنص قانون الرياضة لسنة 1970.. لقد سبق السيف العزل وموعدكم مع تثوير الرياضة وجماهيرها وارضاء طموحكم الأصيل مع لقاء الرئيس القائد مساء الأربعاء 28/4/1976 في مؤتمر الشباب العام بالاتحاد الاشتراكي السوداني السادسة والنصف مساء) انتهى البيان.
رئيس الجمهورية (تأبط شراً)..!!
كان واضحاً من البيان أن الرئيس النميري (تأبط شراً) بالرياضة وجمهورها بل بالشعب السوداني كله.. فالعبارة التي وردت في البيان والتي تقول (سبق السيف العزل) تعني أن هناك قراراً هو بمثابة السيف القاتل.. قد وقع ولا نجاة منه.. ماهو هذا القرار..
مؤتمر الشباب!!
بيان وزير الرياضة والشباب أعلن عن دعوة الشباب إلى مؤتمرهم العام بعد يومين أي في مساء يوم الأربعاء 28 أبريل 1976.. في مقر الاتحاد الاشتراكي (وزارة الخارجية حالياً).
اكتظ فناء الاتحاد الاشتراكي على سعته بمنظمات الشباب وبالرياضيين وما أكثرهم.. وصعد النميري إلى المنصة.. يقول الأستاذ أحمد محمد الحسن كنت أقف قريباً من النميري.. الذي أخذ يتلو في قرارات صاعقة.. ثم بدأ يهتف بكل حماس:
(لا هلال.. ولا مريخ..) .. (لا موردة ولا تحرير).
قرارات الرئيس النميري!!
تجميد قانون الرياضة لسنة 1970.
حل مجالس إدارات الاتحادات والأندية الرياضية وتسريح اللاعبين.
تجميد كل المنافسات الرياضية ما عدا روابط الناشئين بالأحياء.
إيقاف حركة الوفود الرياضية للدورات والمؤتمرات ما عدا الدورة الاولمبية.
تجميد حسابات كل الاتحادات والأندية عدا الاتحاد الرياضي العسكري واتحاد الشرطة واللجنة الأولمبية.
المهزلة لم تقف عند هذا الحد.. أصدر الرئيس قرارات بتغيير أسماء إستادات الكرة.. إستاد الهلال تغير اسمه إلى (إستاد الشباب).. إستاد المريخ أصبح (إستاد أم درمان).. دار الرياضة بأم درمان أصبحت (إستاد علي عبد اللطيف).. إستاد الخرطوم احتفظ باسمه.
كمال شداد.. هروب جماعي!!

كانت القرارات صاعقة مزلزلة لكل الشعب السوداني الذي بات غير مصدق ما يحدث أمامه. عقاب جماعي لكل الشعب السوداني، من رئيس الجمهورية الذي ينتقم من جماهير الرياضة لأنها أساءت إليه في هتافاتها.
الدكتور كمال شداد في سياق هذا التحقيق الصحفي قال لي.. إن كبار اللاعبين زرافات ووحداناً بدأوا في الهجرة الجماعية إلى خارج السودان.. كانت الأندية في الدول العربية تتلقف السانحة الذهبية..
علي قاقارين قال: إن 90% من اللاعبين هاجروا.. هو نفسه مع زميله الفاتح النقر سافروا إلى السعودية.
البروفيسور عبد اللطيف البوني – في سياق هذا التحقيق الصحفي – قال لي إنه حتى الاحتياطي من اللاعبين الذين لم يكن متاحاً لهم اللعب مع وفرة النجوم.. حتى هؤلاء الاحتياطي سافروا إلى خارج السودان وتسابقت عليهم الأندية العربية.
حتى (كرة الشراب) تعطلت!!

الدكتور كمال شداد – والذي كان مساعد مدرب الهلال حينها- رسم صورة مأساوية للوضع. قال لي إن ملاعب الكرة جفت تماماً من اللاعبين والجمهور بل حتى من النجيلة.. شداد قال إن الشعب السوداني مارس أنبل درجات الغضب الجماهيري العام.. قاطع كل الرياضات.. حتى (كرة الشراب!!) في الأحياء توقفت تماماً.. ويقول ساخراً وضاحكاً (الطريف أن الشباب لما رجعوا لكرة الشراب.. صاروا يلعبونها بالأيدي بدل الأرجل.. يعلقون كرة شراب في عمود ويتبادلون ضربها بالأيدي..) وهي لعبة شعبية جديدة اسمها (كمبلت).
المنتخب العسكري.. ضحية القرارات!!

إلى أن جاءت لحظة تاريخية فارقة..
منتخبنا السوداني العسكري كان على موعد مع مباراة حاسمة ضد منتخب اليونان العسكري في إستاد الخرطوم.. دخل الجمهور إلى الإستاد.. ولكن يا للمفاجأة الصاعقة.. التهبت المدرجات بتشجيع الجمهور السوداني لمنتخب اليونان ضد منتخبنا العسكري.. كانت رسالة بالغة القوة للرئيس النميري.. تكشف إلى أي مدى هو أخطأ في حق الشعب بقراره معاقبة الشعب السوداني كله بحرمانه من نشاطه الرياضي,
مقاطعة لقاء الرئيس النميري !!

ويروي كمال شداد.. النميري أعلن عن لقاء جماهيري في إستاد الهلال (كان اسمه تغير إلى إستاد الشباب).. توقع الشعب أن النميري سيعلن التراجع عن قرار الرياضة الجماهيرية فأقبلوا على الإستاد يحدوهم أمل كبير.. لكن خطاب النميري استمر فترة من الوقت دون أن تفوح منه أية قرارات جديدة.. هنا بدأ الشعب في مغادرة الإستاد.. غير آبهين بالرئيس الذي لا يزال يلقي خطابه.. وانتهى الخطاب بلا قرارات.. لكن النميري أدرك تماماً أنه بات معزولاً إلى أقصى درجة.
(257) يوماً من العزلة !!

في اليوم العاشر من شهر يناير 1977.. أي بعد (257) يوماً بالضبط.. حوالي ثمانية أشهر ونصف الشهر.. وفي خطابه الشهري الذي يطلق عليه (لقاء المكاشفة) أعلن الرئيس النميري التراجع عن قرارات الرياضة.. لكن بعد (خراب سوبا)..!!
سادسة المخازي السودانية العشر هذه.. سأتوقف فيها قليلاً.. فهي نموذج ولا أروع لما يصل إليه الحال عندما يبلغ التسلط درجة الغليان.. كان واضحاً أن الرئيس النميري ما بات يحس بأن هناك شعباً في البلد الذي يحكمه.. وأنه صاحب القرار و(سيد البلد) الذي في يده القلم يفعل ما يشاء وقت يشاء..
ومعه ألف حق.. ليتني أستطيع عرض كل المقالات التي طفحت بها الصحافة السودانية آنذاك (صحيفتان فقط هما الصحافة والأيام وتتبعان للاتحاد الاشتراكي).. كانت الأقلام تهلل للرئيس في كل ما يفعل.. يحل الأندية ويسرح اللاعبين.. تصفق له الأقلام.. يهتف (لا هلال ولا مريخ).. تهتف وراءه الأقلام.. يعود إلى صوابه ويلغي قراراته تعود معه الأقلام وتمجد عودة الوعي.. في هكذا حال لا يمكن للرئيس النميري أن يظن بنفسه غير ما تظنه فيه الأقلام التي تزين له هوى السلطة والتسلط.
قصة مخازي قرار الرياضة الجماهيرية لم تنته. سأواصلها في الحلقة القادمة غداً بإذن الله..
ونواصل
ديمتري السوداني غير متواجد حالياً
أنا : ديمتري السوداني
ملفك الشخصي رد مع اقتباس

غير مسجل يمكنك المشاركة برأيك على هذا الموضوع باستخدام حسابك في الفيسبوك عبر النافذة أدناه

إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


الساعة الآن 11:58 AM

المقالات والمساهمات والآراء المنشورة في سودانيز أونلاين سواء كانت بأسماء حقيقية أو بأسماء مستعارة
أو حركية لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز أونلاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

جميع الحقوق محفوظة لموقع سودانيز أونلاين
المنبر العام هنا